الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا وجعله نوراً هادياً وأقام به على العباد الحججا، من تسك به اهتدى ومن هجره تخطفته أيدي الهلاك وضل في غياهب الردى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير من قرأ القران وبينه بتلاوته المفسره اتم البيان. لا شك أن أفضل الأوقات وأسعد اللحظات هي التي يعشها المرء مع كتاب ربه تعالى، قراءة، وتدبراُ، يقف عند عجائبه، ويستفسر عن إعجازه وغرائبه، فهو الكتاب المحكم الذي شهدت له الجن عندما سمعته قائلة {إنا سمعنا قرآنا عجبا} الجن-1، وهو الكتاب الذي سطر لنا فيه التاريخ شهادة الوليد بن المغيرة حيث يقول عنه: ((إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وأنه ليعلو ولا يٌعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته)) !!ونتابع في هذه الحلقة ما بدأناه. 16) قال تعالى : {أفرأيتم ما تحرثون* ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون* لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون* إنا لمغرمون* بل نحن محرومون* أفرأيتم الماء الذي تشربون*ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون} الواقعة. ما الحكمة من وجود حرف (اللام) في قوله (لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا) حين تكلم الرب عز وجل عن نعمة الزرع، وعدم وجوده حين تكلم الرب عز وجل عن نعمة الماء في قوله تعالى (جَعَلْنَهُ أُجَاجًا)؟ 1. لأن الآية الأولى كانت بداية إقامة الحجة والبرهان على المعارضين، والمعتاد في الحجة الأولى أن تكون أقوى الحجج، فأكدها باللام، ثم لما ظهر من المجادل أو من المعارض نوع إقتناع أو لين أو مجال للقبول وخفت حدة المعارضة، أتى بالحجة الثانية بدون توكيد. 2. إنه أراد أن يبين أن فقدان نعمة الزرع بعد معاينتها والتنعم بها أوقع في النفس مما لو زالت قبل التلبس بها، فأتى بحرف (اللام) الدال على المستقبل، وأما في موضوع نعمة الماء فأراد أن يبين تغيرها وفسادها أثناء نزولها لأنها تكون أوقع في النفس حيث أن الماء عصب الحياة فلو نزل أجاجاً خلقه لأفسد على الناس معايشهم ولذلك لم تذكر اللام مع الفعل. 17) قال تعالى : {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم ان لعنه الله على الظالمين. (الأعراف – 44) ما الحكمة في الاختلاف بين التعبيرين (وعدنا ربنا بنون العظمة لأصحاب الجنة) – (وعد ربكم) بالغائب لأصحاب النار. 1) لتكريم أهل الجنة واحتقار أهل النار. 2) يؤكد التحقير الذي ذكرناه في النقطة الأولى أن الرب عز وجل ذكر خطابه لأهل النار بلفظ (الوعد) وهو في الحقيقة (وعيد)، فكأن لسان حال أهل النار أنهم يقولون (أهذا وعد ونحن نعذب والوعد لا يكون إلا بالخير) ؟؟!! 3) لبيان أن المؤمنين على يقين من وعد الله لهم وأما الكفار فهم على تكذيب وعيد الله لهم، فأصاب كل واحد منهم ما ناسب حالهم من اليقين والتكذيب، فلفظ (وعدنا) الذي خص به أهل الجنة يدل على أن هناك ارتباطا واتصالا برباط الإيمان والتصديق بين الواعد والموعود، وأما ما خص به الكفار (وعد) فدل على أن هناك عدم ارتباط بين الواعد والموعود بل هم كذبوا بوعد الله وسخروا منه ولم يصدقوا به. 18) ورد في سورة الزمر في الآية 71 التي سيقت لبيان عذاب الكفار قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها}، وورد في آية 73 في سياق نعيم أهل الجنة قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}، فما الحكمة من حذف (الواو) في الموطن الأول وإثباتها في الموطن الآخر؟ الجواب: الآية الأولى تدل على أن الكفار فوجئوا بفتح الأبواب أمام وجوههم زيادة بالنكال والتبكيت لهم، أما الآية الثانية فتدل على أن أبواب الجنة كانت مفتوحة ومهيأة لدخول المؤمنين قبل وصولهم زيادة في النعيم والتكريم لهم.
الثلاثاء, 21 محرم, 1429
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















